ببالغ الأسى، وبقلوب يعتصرها الحزن والامتنان، تنعى أسرة تحرير. مجلة الهدف وبوابة الهدف ومنصة الهدف الفنان والمثقف الكبير زياد الرحباني، الذي غيّبه الموت بعد مسيرة استثنائية شكّلت علامة فارقة في الثقافة العربية الملتزمة، وفي الفن المقاوم الذي جمع بين الجمال والموقف، وبين النغمة والانحياز.
لقد كان الراحل الكبير واحدًا من القامات التي كسرت الحواجز بين الإبداع والسياسة، وجعلت من الفن ساحةً للمواجهة، لا ملاذًا من الواقع. وفي محطات عديدة من حياته، لم يكن زياد مجرد فنان مسرحي أو موسيقي، بل كان شريكًا في صناعة الوعي الوطني الفلسطيني والعربي، ومنحازًا لقضايا الشعوب، وعلى رأسها قضية فلسطين.
ارتبط اسم زياد الرحباني باسم الشهيد غسان كنفاني ، لا فقط في الانتماء إلى ذات الحلم، بل عبر المساهمة الفعلية في مجلة “الهدف”، منبر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين. هناك، في تلك المجلة التي كانت حقلًا لتجريب الأفكار وصياغة الخطاب الثوري، عمل زياد إلى جانب نخبة من المفكرين والمثقفين، وفي تجربة خالدة من تجاربه، تعاون زياد مع قسم السينما في الجبهة الشعبية، ليضع الموسيقى التصويرية التي ابدعها الموسيقار الكبير زياد رحباني “عائد إلى حيفا” عام 1981، والذي أخرجه المبدع العراقي قاسم حول والمأخوذ عن رواية غسان كنفاني. لم تكن تلك الموسيقى مجرد خلفية فنية، بل كانت بُعدًا وجدانيًا وروحيًا وتوليفة للتغريبة الفلسطينية وسردية النكبة، وصوتًا ثالثًا يروي ما تعجز الصورة عن قوله.
قدّم زياد في هذا العمل موسيقى تنبض بالحس الوطني، ممزوجة بالألم والحنين والكرامة، لتبقى حتى اليوم من أعمق ما كُتب موسيقيًا عن التجربة الفلسطينية في المنفى، وعن وجع العودة المؤجلة، وحلم التحرير.
إن زياد الرحباني، الذي انحاز طيلة حياته إلى القضايا العادلة، وواجه بالقلم والمسرح واللحن منظومة القهر والتمييز والاحتلال، يترك برحيله فراغًا كبيرًا في وجدان الثقافة العربية الحرة، لكنه في ذات الوقت يورّثنا تجربة ستبقى تلهم الأجيال المقبلة، وتؤكّد أن للفن دورًا لا يُختصر في الترف، بل يُؤدَّى كفعل تحرري ومقاوم.
وداعًا زياد الذي قاوم السطحية بسخرية نبيلة، ولحن فلسطين كما لم تُلحَّن من قبل،
وداعًا لمن جعل الفن منصةً للحرية، ورفيقًا للنضال، وصوتًا للفقراء والمهمّشين والمنفيين.
نتقدّم إلى عائلته، وإلى كل محبّيه ورفاقه، بأحر التعازي،
ونجدّد العهد أن نحفظ إرثه ونمضي على درب الثقافة المقاومة.
الخلود للفنان الكبير،
والحرية لكل من عاش من أجلها
أسرة تحرير الهدف
27 تموز/يوليو 2025

